Thursday, March 31, 2016

المسيح قام، وفيها إيه؟ (مقال بالعامية)



المسيح قام، وفيها إيه؟ (مقال بالعامية)[1]
اعتقد بالنسبة ليّا السنة دي القيامة احتياج قهري، مش اختيار ولا رفاهية، القيامة يعني حد ضاع واكتئب وتاه... يعني حد وصل لعُمق القاع، حد فقد المفاهيم الهشة الطفولية اللي شالته سنين وفجأة اتكسرت، حد اتدمر نفسيًا وروحيًا وجسديًا. القيامة يعني حد مات، مات من الحيرة والفتور والإنهاك، مات والموت أكل كل ما فيه، لحد أمَّا مبقاش عنده قوة أو طاقة أو نَفَس إنه يحاول أو يجرب حلول تانية. وبعد كل ده يفضل عنده أمل إنه هايقوم، إنَّه هايقدر يغيَّر ويزلزل ويكسر الموت اللى اجتاح كيانه ده، ويخرج إنسان جديد، مُختلف، بأفكار جديدة ومفاهيم جديدة ومشاعر جديدة، ساعتها يقدر يبص على البيت القش القديم من بعيد ويُدرك قوة إيمانه .. قوة القيامة.
(مُشاركة ثمينة جدًا من أحد الأصدقاء)
أنا: يعني إيه قيامة بالنسبالك؟
هيّ: يعني يسوع قام، أنا مؤمنة بكده، إنه قام من الأموات.
أنا: وفيها إيه؟ يقوم ولا ميقومش؟ ده هايفرق بالنسبالك فى إيه؟
هيّ: مش عارفة، بس اعتقد إني لازم أؤمن بالقيامة لأني مسيحية، وبعدين المسيح مات عشان يخلصنا!!
أنا: قام عشان يخلصّنا، مش مات، الموت مبيخلصَّش حد! بس لو افترضنا إنه كان خلصنا بطريقة تانية، ومكنش فيه قيامة، تفتكري كانت هاتفرق؟
هيّ: لأ ماتفرقش، المهم إنه فدانا وخلصّنا .. وبعدين الموضوع مش فارق معايا على المستوى الشخصي بيني وبينك يعني، أنا مؤمنة إن المسيح مات وقام عشان يخلصنا من خطية آدم وحواء، فلو افترضت معاك إنه عمل كده بطريقة تانية فخلاص. ماعتقدش إن فيه فايدة تانية للقيامة.
قبل ما تقرأ المقال ده حاول/ي تفكر تحط نفسك طرف فى الحوار ده، وتجاوب، لو كان المسيح خلصنا بطريقة تانية جدلًا؟ تفتكر كان هايكون فيه فايدة للقيامة؟
الحوار السابق هدفه يوضحلنا نظرة قاصرة جدًا للقيامة، ده اللى هانحاول نقدمه فى المقال ده، هانحاول نشوف يعني إيه قيامة؟ وإيه فايدتها يعني؟ (أو زى ما بيقول العنوان: وفيها إيه؟) كتير مننا شايفين إن القيامة عمل عظيم ومُعجزة خارقة للطبيعة، بس وبعدين؟ -مش عارف/ة. دي كانت إجابة غالبية اللى سألتهم السؤال ده.
هيحاول المقال ده إنه يوضح قيمة القيامة اللى ممكن تكون غايبة عن أذهان كتير مننا، قيمتها على المستوى الشخصي، دورها فى نفسي ونفسك، وطالما قُلنا نّفْس يبقى لازم يبقى لعلم النفس دور فى الموضوع، لأن ببساطة القيامة دي مسألة لاهوتية، بس أثر أو تأثير أى حاجة على الإنسان دي مسألة نفسية، عشان كده هنحاول نبني الجسر ده، لأن الجسر النفس-لاهوتي ده هو اللى هيساعدنا نكتشف دور القيامة فى حياتنا النهارده، ونطبقه كمان، وفى نفس الوقت دور الإيمان الحياتي، يعني إيه؟ يعني كونك حد بيؤمن بالقيامة ده يفرقك فى إيه عن حد مش بيؤمن بيها؟
(1) المعنى، والألم، والحرب العالمية.
مع إني شفت فيلم آلام المسيح الشهير لميل جيبسون أكتر من مرة، إلا إني فى كل مرة كنت بستغرب أكتر، إيه اللى يخلي شخص يتحمل الآلام دي كلها مهما كان قوي؟ مكانتش إجابات تحمل من السذاجة والسطحية زى (أكيد اتحمل يعنى ماهو ابن الله) أو إجابات التيار التاني زى (الموضوع مكنش حقيقي زى مانت فاكر، لأن ده ببساطة مش معقول) كافية إنها تسد باب التساؤل والدهشة. لحد ما درست منهج علاجي لدكتور نفسي اسمه فيكتور فرانكل، ده راجل إتحبس ثلاث سنين فى أفظع المعتقلات الألمانية أيام الحرب العالمية الثانية، معتقل أوشفيتز اللى إتحرق فيه آلاف الأسرى وإتعذبت آلاف تانية أبشع العذابات، فرانكل كان من القلائل اللي دخلوا أوشفيتز ده وخرجوا منه أحياء، بيحكيلنا فى كتابه Man’s search for meaning إن فيه واحد من اليهود صحته إتدهورت ومبقاش قادر على الشغل القاسي اللى كان لازم يقوم بيه عشان الألمان يسيبوه حي، ده معناه إنهم هيحولوه على الـ Gas Chambers أو غرف الغاز، وده مُصطلح كان بيُطلق على الغرف اللى فيها بيتم حرق الأسرى أحياء. بيوصفلنا فرانكل بدقة ردود أفعال الناس اللى كانت بتعرف مُسبقًا إنها هاتتحول بالتأكيد على غرف الغاز (بصفته دكتور نفسي تحليلاته كانت دقيقة جدًا) .. اتنوعت ردود الأفعال مِن بُكاء وانعزال تام فى صمت، لتدهور أكتر للصحة بشكل ملحوظ، لانهيار عصبي، لتوحُش (بيقول إن بعض الناس كانت زى الحيوان المفترس اللى طلع من القفص، وده كان وصفه لبعض الناس بعد ما اتحررت من أوشفيتز) ... إلا أن واحد من الناس اهتم فرانكل إنه يسجلنا رد فعله، كان مبسوط!! استغرب فرانكل من رد الفعل ده، فى الأول أى حد مننا ممكن يفتكره مجنون، إلا أن فرانكل سأله فعرف إن الألمان فى الأول كانوا هياخدوا حد تاني بداله على غُرف الغاز، بس دلوقتي الشخص التاني ده هايعيش لأن بقى فيه حد هايموت بداله. عشان كده الراجل الأولاني كان مبسوط.. لأنه وبتعبير فرانكل: لقى معنى فى موته وده خلاه يتقبل الموت لأنه قدر إنه يتخطاه، يتجاوزه، يشوف فيه معنى لحاجة أعمق، هىّ إنه هايفدي شخص تاني.
من ساعتها بقى سؤالي كل ما أقرى آلام المسيح: إيه المعنى اللى مَكِّن يسوع مِنْ إنه يجتاز كل ده؟ وبعدها إتحول السؤال ده عشان يبقى: إيه المعنى اللى يمكنني مِنْ إني اتخطى معاناتي الشخصية؟، أنا معنديش إجابة على السؤال ده لحد دلوقتي، بس اعتقد الدعوة اللى نطلع بيها من الكلام ده هيّ إننا علينا مسئولية كمسيحيين إننا نقتدي بالمسيح، يعني إيه؟ يعني المسيح كان عنده معنى قوي جدًا خلاه يقدر يعدي كل الآلام دي، إحنا كمان مُطالبين كمسيحيين إننا نقتدي بالمسيح فى امتلاك المعنى، إننا ندور على معنى لكل حاجة بنعملها أو بنفكر فيها، يعني قبل ما نتصرف أى تصرف أو نفكر أى فكرة نشوف إيه معنى اللى أنا هاعمله ده؟ ولو مالهوش، ماعملهوش. يسوع مجتازش الآلام عشوائي، وبناءًا عليه فإحنا كمان مينفعش نعمل أى حاجة بدون ما يكون لها معنى إحنا نكتشفه بنفسنا، كل واحد يكتشف إزاى يدور على المعنى بنفسه، دي حاجة مالهاش عشر خطوات سريعة أو كتيب تعليمات، فرانكل مثلًا بيقول إن المعنى اللى مكّنه من اجتياز أوشفيتز كانت قصاصة ورق صغيرة لخص فيها نظرية جديدة فى علم النفس، وبيقولنا إنه كان ممكن يموت لو كان فقد القصاصة دي، لأنها كانت المعنى بالنسباله، إحنا كمان لو فقدنا المعنى هانموت، أو هانستمر فى الوجود وحاسين إننا ميتين.
(2) البذل وخميس العهد ونزار قباني.
القيامة بذل، المسيح إتألم واتصلب ومات وقام كل ده إحنا بنعبر عنه لما بنقول إنه بذل ذاته لأجلنا. وبالتالي القيامة بتعلمنّا نحب ونبذل، الإنجيل بيقولنا كده فى آيات كتير، طيب. المسيح بذل نفسه عنّا، وفيها إيه؟ لأ فيها كتير... فيها إننا هانتحرك من نفس النقطة اللى اتحركنا منها فى النقطة اللى فاتت، وتحديدًا الاقتداء بالمسيح (ده المعيار  اللاهوتي اللى هانمشي عليه) بس استنى قبل ما تكمل، نقتدي بالمسيح إزاى؟ يعني المسيح بذل واحنا هانقتدي بيه فـ هنبذل، ده كله جميل، بس إزاى ممكن نعمل ده؟ بإننا نفهم السؤال الغريب ده: هل حصل وأحد أسنانك وجعتك قبل كده؟! كتير مننا سنانه وجعته الحقيقة، بس إيه علاقة ده بالموضوع؟ وقت الألم كان كل تفكيرك فى إيه؟ -كان كل تفكيري فى ألمي، فى أسناني، فى نفسي. حرف الياء اللي فى آخر الكلمات الأخيرة ده بيوضحلنا إنه وقت الألم تركيز الإنسان كله بينصب على ذاته، نزار قباني فى قصيدته الرسم بالكلمات بيقول:
أنا عاجزٌ عَنْ عِشْقِ أية نَمْلةٍ, أو غَيمَةٍ .. عَنْ عِشْقِ أي حَصَاةِ
جرَّبتُ ألف عِبَادةٍ وعِبَادةٍ .. فوجدتُ أفضلها عِبَادةُ ذاتي.
هانرجع شوية لخميس العهد، قبل الآلام وقبل القيامة، المسيح غسل أرجل التلاميذ، والبابا فرانسيس بيعيد الذكرى دي وبيغسل بنفسه أقدام بعض الحضور فى الكنيسة، دي فرصة كويسة إننا نأون الحدث ده عشان نفهم إزاى نقتدي بالمسيح أو إزاى نبذل. يسوع لما عمل كده كان بيحطلنا رسالة، هيّ إننا نكون جاهزين، جاهزين نخدم، غسل الأقدام كحدث فى حد ذاته مش مهم، المهم هى الرسالة، إننا نخدم، اللى عمله يسوع بيحط علينا مسؤولية إننا نكون مستعدين إننا نساعد غيرنا، إننا ندور على يهوذا اللى إحنا كمان بيتحمل جزء من مسؤولية أفعاله. على ذكر يهوذا هسيبكوا تفكروا فى كلمات رئيس أساقفة مدينة ريسيف بالبرازيل دوم هيلدر كامارا:
عادةً ما لدينا الشعور بأننا نقابل أكثر من يهوذا واحد فى طريقنا، يسعى إلى أن يُسلم المسيح بأقل من ثلاثين قطعة من الفضة. ولكن يهوذا الأمس ويهوذا اليوم إلى أى مدى هم مسؤولون عن أفعالهم!!.
(3) المسيح قام، وفيها إيه؟
فيها إنْ ده بيدينا أساس أنطولوجي (يعني أساس موجود، حصل فعلًا، أنا مش مخترعه أو جايبه من عندي، لأ هو حدث بالفعل) لقيامتنا إحنا. يعني إيه؟ يعني المسيح قام، فأنا أقدر أقوم، لأن لمَّا هو قام بقى عندي أساس إنْ فيه قيامة، إنْ فيه نور. ساعات كتير ممكن نكتئب ونتوه ونزهق ونضيع على كل المستويات، نفقد الطاقة تمامًا، ساعتها إدراكنا إنْ فيه نور فى نهاية النفق ده اللى بيدينا دفعة إننا نقوم، إحنا بعد قيامة المسيح بقينا عارفين إنْ فيه ناس بتقوم، إيه؟ ناس بتقوم؟ يعني ممكن يكون فيه نور فى آخر العتمة دي؟ آه، المسيح قام، وبقى فيه إمكانية إننا نقوم، من الاكتئاب، من انعدام الطاقة، من فقدان المعنى، من الملل... إلخ. إنتَ لو مش مؤمن بالقيامة (وافتراضًا المسيح خلصنا بطريقة تانية) ده معناه بالعامية إنْ لو الناس كلها حلفت لك على المياه تجمد إن فيه قيامة تقدر متصدقهمش، لأن ببساطة اللى بيقولوه ساعتها هايبقى مُجرد كلام. إدراكنا للقيامة هو إدراكنا للحياة، وهو فى نفس الوقت مسؤولية، مسؤولية علينا إننا ننشر الوعي ده، الوعي بالقيامة، الوعي بالملكوت. الوعي بالضوء اللى في نهاية النفق، أو كلمات تانية، إنك بعد القيامة أصبحت تقدر تمَّوت جُزء فيك عشان تُحيي الكُل، ده بيسموه فى علم النفس انتحار جزئي Partial suiside يعني إيه؟ يعني إنك تمَّوت عن قصد جزء منك (قد يكون الجزء ده حُزن، مشاعر، انهاك، تعب... إلخ) عشان تُحيي بقية كيانك، زى استئصال الأورام كده، بنشيل جزء عشان الكل يعيش، ده مُمكن على المستوى الجسدي لأن الطب قدر يعمله. لكنه كمان مُمكن على المستوى الأنطولوجي (أو يعنى على مستوى كياني كله) لأن المسيح قام.
(4) حُب غير مشروط: الفكرة المتكررة.
لو افترضنا أن فيه اتنين رسامين، الأول قال: أنا سافرت كتير ولفيت العالم، وشفت كتير، وضاعت جهودي إني الاقي وجه له جمال كامل يخليني اقرر إني أرسمه، للأسف فى كل وجه كنت بلاقي عيب. هل ده يبين إن الرسام ده كان رسامًا عظيمًا؟ التاني قال: حسنًا، أنا مش هادّعي إني رسام ماهر جدًا، ولم اسافر كتير، بس فى دايرة معارفي الصغيرة مكنش فيه وجه قبيح لدرجة تمنعني إنى أرسمه، أو تخليني مش قادر أميز الجوانب الجميلة فيه، واكتشاف شئ رائع فى الوجه ده. مش الكلام ده يبين إن الراجل ده كان رسامًا عظيمًا؟
المسيح خلّص كل الناس، وحبنا حُب غير مشروط. قديمة، عارفينها، دي فكرة متكررة. دي كانت ردود البعض لما اقترحت عليهم اتكلم عن الحب الغير مشروط، ساعتها كنت شايف إن فيه مُشكلة كبيرة، هى إنك ممكن تشوف الحب فكرة، هنا الخطر، إن القيامة كفعل حُب للمسيح مش فكرة، صعب أوى تُدرك تأثيرها الحياتي عليك لو كنت شايف إنها فكرة. طب وبعدين؟ جرَّب تشوفها تطبيق، يعني أنا عارف إن المسيح حبنا بشكل غير مشروط، ودوري اقتدي بالمسيح، إنما إزاى أحقق أو أطبَّق ده على أرض الواقع؟ هنا بيقولنا كيركجارد: أنْ تُحب قريبك يعني رغبتك فى أن تكون مساويًا لجميع البشر دون استثناء، وقتها إذا جاء ملكٌ ستقدم له الاحترام المُناسب، سترى مجده الداخلي الذى يُغطي صورته البشرية، ستراه كـ قريب. وإنْ قابلت متسول، فربما تعاني لأجله أكثر مما يعاني هو، وعليك أن ترى مجده الداخلي الذى تُخفيه الملابس البالية فهو أيضًا قريبك. وقتها سترى حيثما نظرت قريبك، سواء كان ملكًا أو متسولًا، فقيرًا أو غنيًا، صديقًا أم عدوًا. لن تفرق بينهم فبيننا جميعًا اختلافات، لكننا كبشر كلنا بلا أى شروط متشابهين.
الموضوع ده عبارة عن رؤية، أو بالمعنى النفسي إتجاه attitude، الإتجاه ده بيتبناه الشخص لما يصدق بكل كيانه الشئ اللى قايم عليه الإتجاه ده، لو صدقت أو آمنت ساعتها هاتقدر يكون عندك الرغبة دي، واللى بالمناسبة متفقة جدًا مع نظرة علم النفس فبيقولنا ألفرد أدلر مؤسس علم النفس الفردي إن كل إنسان بيتولد وعنده عقدة نقص inferiority complex لأنه شايف الناس اللى حواليه (الكُبار) قادرين يعملوا أشياء هو عاجز عن إنه يعملها، من هنا بيبدأ يحس إنه أقل inferior، وبيكمل أدلر إن الطفل بيكبر وساعتها مُركب النقص ده يا إما بينتهي وبيقدر الطفل (اللى مبقاش طفل خلاص) يتجاوزه، يا إما بيفشل إنه يتجاوزه (لأسباب كتير) ويتحول المُركب ده لحاجة سماها أدلر السعي لأجل التفوق striving for superiority ودي معناها إن الشخص بعد ما كبر لسه حاسس إنه أقل من اللى حواليه وبالتالي كل سلوكياته وتصرفاته بتكون موجهة دون وعي منه- إلى إنها تحسسه إنه أفضل من اللى حواليه، وده بيدخله فى مشاكل كتير أهمها إنه بيتحول لشخص متمركز حوالين ذاته self-centered وده هايعيقه عن الحُب برده، لكن ده مش موضوعنا دلوقتي، المهم إننا نخرج بأن القيامة ممكن يبقى ليها تأثير ودور فى حياتنا، هو إننا نُدرك حُب المسيح لينا مش كفكرة إنما كتطبيق، التطبيق ده يظهر فى رغبتنا إننا نكون متساويين مع كل الناس بلا استثناء، الرغبة دي مش بتيجي بالسهل، بتتطلب إيمان والإيمان بيتطلب مجهود إنك تحوله من مجموعة أفكار إلى إيمان حي وظاهر فى حياتك، الرؤية اللاهوتية دي بيتصادف إنها متوافقة جدًا مع نظرة علم النفس. ويبقى لكل واحد فينا إنه يفكر ويقرر إنه يعيد مفهومه عن القيامة فى ضوء الرؤية دي، أو يدور على رؤية تانية، أو ميدورش خالص، وفى الحالة دي هايفضل أسير مفاهيم تانية غالبًا هو مش بيبقى مُدرك أبعادها.
يعني إيه حُب مسيحي؟ يعني حُب مُستمَد من المسيح، وده يرجعنا للمعيار اللى هو الاقتداء بالمسيح، إنك تحب الإنسان اللى قدامك دون أن تحاول تصنيفه، أو بصرف النظر عن عيوبه ومميزاته، اللى بيحب المميزات مش بيشوف الشخص اللى قدامه لكن بيشوف المميزات دي، الحُب الغير مسيحي قد يتطاير مع اختفاء المميزات، لكن الحُب المسيحي هايفضل موجود،  رغم كل العيوب أو التغييرات اللى ممكن تطرأ على الشخص المحبوب، لأنه عنده أساس هو حُب المسيح، هايفضل موجود فى النفس تجاه المحبوب، أما على مستوى السلوك فده موضوع تاني، فالمسيح لم يُجبر أحدًا أن يقبله.


(5) يعني إيه تقول لحد المسيح قام؟
المسيح قام. دي مش جملة بنعيِّد بيها على بعض، أو مُجرد عبارة بنسمعها ونرددها فى المناسبات، خلينا نرجع للمعيار اللاهوتي بتاعنا، الاقتداء بالمسيح، يعني إيه أنا مسيحي؟ يعني إنك بتتبع المسيح، التبعية دي مش حاجة سهلة، فى كتابه ثمن التبعية The cost of discipleship بيقولنا ديريتش بونهويفر اللاهوتي الألماني: إنه فى وسط عالم اجتاحه الشر والألم والقسوة، أنْ تكون مسيحيًا يعني تحديدًا أن تكون إنسانًا. دي مش حاجة سهلة، بونهويفر بيقولنا إن التبعية دي مش بتيجي بالساهل، سهل إنك تقول أنا بتبع المسيح، لكن صعب جدًا إنك تعمل ده فعلًا. (أن تكون إنسانًا) ده مطلب واحد من مطالب التبعية، لكن إيه علاقة ده بالقيامة؟ لو أخدنا فلاش باك لمشهد موت المسيح، هنلاقي إنه مات موت كامل، محاولش يخفف من طريق الموت بأي شكل، كان عارف إن عنده رسالة يؤديها وميقدرش يرضى بحاجة أقل من الطريق ده، مينفعش يرضى بنصف موت. عشان لو رضي بنصف موت كانت القيامة هاتبقى نصف قيامة، نصف حياة!!
إنك تكون إنسان على شاكلة المسيح، معناه إنك متقبلش بالحلول الوسط، شر الأمور الوسط، ببساطة لأن يسوع معملش كده، يسوع مقبلش بالحلول الوسط، القوة إنك ترفض الحلول الوسط بكل طاقتك، لأنها مش مسيحية (مش على شاكلة المسيح، هو معملش كده!) الموضوع بالظبط شبه شخص مريض بيقرر لسببٍ ما ياخد نصف جرعة الدواء، بمنطق إنه أحسن من مفيش، طبعًا عمره ما هايعرف إن نصف الجرعة قد يكون له تأثير عكسي مدمر، والموضوع محتاج طبيب عشان يقدر يقوله، الطبيب فى حالتنا هو المعيار اللاهوتي، المسيح هو الطبيب اللى بيقولنا لأ، نصف الجرعة لأ، ببساطة متنفعش، لأنها لو تنفع كان هو بالأحرى قبل بيها. كيركجارد بيقولنا إن أقصر طريق للهلاك هو إنك تكون متوسط فى حياتك. إنك مؤمن بالقيامة ده يعني تحديدًا إنك مؤمن بالحياة الكاملة، بإنك لازم تجتاز طريق الآلام كاملًا، وتشرب الكأس drink the cup بتعبير هنري نووين لو كنت عايز تقوم (المسيح عمل كده)، ده ثمن التبعية، إنك ترفض الوسطية. وبيكتبلنا جبران خليل جبران: النصف هو لحظة عجزك وأنتَ لست بعاجز، لأنك لست نصف إنسان، أنتَ إنسانٌ وُجدِت كي تعيش الحياة ... وليس كي تعيش نصف حياة!.
 
(6)  الملح اللى مبيملَّحش.
من زمان ونص الأناجيل بيُستخدم عشان يقمع الشعوب، أفيون يعني زى ما قال كارل ماركس، عشان الشعب ميثورش ضد الفقر والظلم، وكتير من المسيحيين كانوا بيفهموا البشارة بشكل خاطئ، زى مثلًا: “طوبى لكم أيها الفقراء، فإنَّ لكم ملكوت الله. طوبى لكم أيها الجياع الآن، فسوف تُشبَعون.” لوقا 6: 20-21. فهمها البعض إن يسوع بيقول إن الوعد بتحرير الفقراء من بؤسهم ده وعد هايتحقق فى الملكوت، ولما استخدمه البعض لتخدير الفقراء كانوا يقصدوا إنه مش هايتحقق فى الملكوت، ده هايتحقق فى المشمش، أو يعني محدش يسأل على الوعد ده إلا بعد الموت. المُشكلة هُنا كانت فى فهم الملكوت، يعني إيه ملكوت؟ بيقول كوستى بندلي: وكأن المسيح أراد أن يقول لهم إن عليهم البقاء كما هم، فقراء، وليسعدوا بالفقر إذًا!، لأنهم هكذا مقبولون من الله، وذات يوم (فى السماء قطعًا) سوف تفرحون، لأنكم بقيتم فقراء ورضيتم بمصيركم!! هنا بقينا محتاجين إعادة برمجة، إننا نرجع نفهم يعني إيه ملكوت وبالتالي يعني إيه كلام يسوع؟ عالم لاهوتي اسمه C. H. Dodd بيقولنا إن يسوع كان أساس رسالته هو ملكوت الله، إن الملكوت ده يتدشن أو يتحقق على الأرض، مش مُجرد ملكوت سماوي، ده الدور اللى بدأه يسوع وكان عايز أتباعه يكملوه، لكننا للأسف بنحيد عن الهدف ومكملناش، بقينا فاكرين إن الملكوت، أو الإنسانية والعدل والرحمة والحُب... إلخ كلها المفروض تبقى فى السماء بس، فبعدنا أوى عن الصورة اللى رسما يسوع لينا، إننا نكون ملح الأرض، أو بمعنى آخر بقينا ملح مبيملحش، وبيكتبلنا اللاهوتي الفرنسي Etienne Charpentier عن الموضوع ده فبيقول إننا: لا يُمكن أن نُعلن (نُبشِّر بــ) التطوبيات دون أن نفعل كل ما بوسعنا كي يزول الفقر -بل والمرض والظلم- بكل أشكالهم.
إنتَ بتؤمن بالقيامة، ده يعني تحديدًا إن إنتَ غير. إنك قائم (أو تقدر تقوم) فى الوقت اللى ممكن يكون فيه كل اللى حواليك واقعين، إن قوة القيامة جواك أكبر من قوة المُجتمع power of conformity (ممكن ترجع لتدوينة عيد الميلاد فيها الموضوع ده بالتفصيل) قوة التَشَكُل بالمجتمع دي بتدفعك فى إتجاه واحد، هو إنك تتبنى نفس الأفكار والمفاهيم والسلوكيات اللى بيعملها المجتمع، بمعنى آخر، إنك ماتكونش مختلف، إنك ماتكونش مَلْح، لأنك ساعتها هاتهدد ركائز المُجتمع بيعتبرها مُقدسة، إلا إننا لو رجعنا للمعيار اللاهوتي بتاعنا الاقتداء بالمسيح، هنلاقي إن ده بالتحديد هو دورنا، يسوع مكنش مُتشكل بالمجتمع بالعكس، يسوع كان ملح، كان قادر يخرج بره تابوهات المُجتمع، قوة القيامة اللى جواه كانت أكبر من قوة المجتمع وأفكاره ومفاهيمه وسلوكياته، وده يرجعنا للسؤال التاني: إزاى نفتدي بالمسيح، أو إزاى نكتسب قوة القيامة دي ونفعَّلها فى حياتنا؟ بإننا نراجع نفسنا فى أى مفهوم بنستقيه من المجتمع، ووإحنا بنعمل كده يكون فى دماغنا دايمًا إن يسوع مقبلش المُجتمع.. ولا المُجتمع قَبَلُه.
فى النهاية هسيبكم مع الفيلسوف الدنماركي كيركجارد:
لا أحد يجرؤ أن يكون مختلفًا ... الكل يختبئ خلف التجمُعات. إنَّ المسيحية تطرح هذا السؤال: هل تريد أن تكون مَلحًا؟ إنَّ الخيار الآخر بالتأكيد هو أن تذوب فى الحشد، أن تختبئ خلف التجمُعات، أن تكون فُلان وصُحبته، وجماعته، وأصدقاءه. لكن لا يجرؤ أي من شاهدي الحق على الانضمام للحشد.

تَمَّتْ. كل سنة وإنتم طيبين.
مارك الفونس
29 4 2016


[1] cult.of.personality2020@gmail.com